ابن أبي الحديد

376

شرح نهج البلاغة

فلم أتطير ومضيت لوجهي ، فلقيني رجل قبيح الوجه به ما شئت من عاهة ، فلم أتطير وتقدمت فلاحت لي أكمة ( 1 ) فسمعت منها صائحا : * والشر يلقى مطالع الأكم * فلم أكترث ولا انثنيت وعلوتها ، فوجدت ناقتي قد تفاجت ( 2 ) للولادة فنتجتها ( 3 ) ، وعدت إلى منزلي بها ومعها ولدها . وقيل لعلى عليه السلام : لا تحاربهم اليوم فإن القمر في العقرب ، فقال : قمرنا أم قمرهم ! وروى عنه عليه السلام إنه كان يكره أن يسافر أو يتزوج في محاق ( 4 ) الشهر ، وإذا كان القمر في العقرب وروى أن ابن عباس قال على منبر البصرة : إن الكلاب من الحن وإن الحن من ضعفاء الجن ، فإذا غشيكم منهم شئ فألقوا إليه شيئا أو اطردوه ، فإن لها أنفس سوء . وقال أبو عثمان الجاحظ : كان علماء الفرس والهند وأطباء اليونانيين ودهاة العرب وأهل التجربة من نازلة الأمصار وحذاق المتكلمين يكرهون الاكل بين يدي السباع يخافون عيونها للذي فيها من النهم والشره ، ولما ينحل عند ذلك من أجوافها من البخار الردئ ، وينفصل من عيونها مما إذا خالط الانسان نقض بنيه قلبه وأفسده . وكانوا يكرهون قيام الخدم بالمذاب والأشربة على رؤوسهم خوفا من أعينهم وشدة ملاحظتهم إياهم ، وكانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا ، وكانوا يقولون في الكلب والسنور إما أن يطرد أو يشغل بما يطرح له .

--> ( 1 ) الأكمة : الموضع يكون أشد ارتفاعا مما حوله ، . وانظر عيون الأخبار 1 : 145 . ( 2 ) تفاجت : وسعت ما بين رجليها . ( 3 ) نتجتها أي أولدتها . ( 4 ) المحاق مثلثة : آخر الشهر أو ثلاث ليال من آخره ، أو أن يستتر القمر فلا يرى غدوة ولا عشية ، سمى محاقا لأنه طلع مع الشمس فمحقته .